السيد كمال الحيدري
206
اللباب في تفسير الكتاب
فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ ) ( إبراهيم : 2 1 ) ؟ قلنا : هنا قراءتان : الأولى : قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر برفع اسم الجلالة على أنّه خبر عن مبتدأ محذوف . والتقدير : هو ( أي العزيز الحميد ) الله الموصوف بالذي له ما في السماوات والأرض . وهذا الحذف جارٍ على حذف المسند إليه المسمّى عند علماء المعاني تبعاً للسكاكى بالحذف لمتابعة الاستعمال ، أي استعمال العرب عندما يجرى ذكر موصوف بصفات أن ينتقلوا من ذلك إلى الإخبار عنه بما هو أعظم ممّا تقدّم ذكره ليكسب ذلك الانتقال تقريراً للغرض . وحينئذ يزول السؤال لأنّه لمّا جعله خبراً لمبتدأ محذوف فقد أخرجه عن جعله صفة لما قبله . الثانية : وهى القراءة بالجرّ فهو نظير قولنا : هذه الدار ملك للفاضل العالم زيد ، وليس المراد أنّه جعل قوله « زيد » صفة للعالم الفاضل ، بل المعنى أنّه لمّا قال : هذه الدار ملك للعالِم الفاضل ، بقي الاشتباه في أنّه مَن ذلك العالِم الفاضل ؟ فقيل : عقيبه « زيد » ليصير هذا مزيلًا لذلك الاشتباه ، ولمّا لم يلزم أن يقال اسم العالم صار صفته ، فكذلك في هذه الآية . ومآل القراءتين واحد وكلتا الطريقتين تفيد أنّ المنتقل إليه أجدر بالذِّكر عقب ما تقدّمه ، فإنّ اسم الجلالة أعظم من بقيّة الصفات لأنّه علم الذات الذي لا يشاركه موجود في إطلاقه . الثانية : إنّ لفظ الجلالة لو لم يكن علماً لما كانت كلمة « لا إله إلّا الله » كلمة توحيد ، فإنّها لا تدلّ على التوحيد بنفسها حينئذ كما لا يدلّ عليه قول : « لا إله إلّا الرازق أو الخالق » أو غيرهما من الألفاظ التي تُطلق على الله سبحانه ، لأنّه بتقدير أن يكون « الله » لفظاً مشتقّاً كان قولنا « الله » غير مانع من أن يدخل تحته أشخاص كثيرة ، لكون معناه حينئذ معنىً كلّياً لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه ؛ لأنّ اللفظ المشتقّ لا يفيد إلّا أنّه شئ ما مبهم حصل له